للعام الثاني على التوالي، يحضر الصوت الإعلامي السوري في واحدة من أبرز المحطات الكروية العالمية، بعد اختيار مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية الصحفي الرياضي السوري عروة قنواتي عضواً في لجنة تحكيم جائزة الكرة الذهبية “Ballon d’Or” لعام 2026، ممثلاً عن سوريا، ضمن هيئة دولية تضم نخبة من الصحفيين الرياضيين المتخصصين.
ويأتي اختيار قنواتي، الذي يمتلك مسيرة إعلامية تمتد لنحو عشرين عاماً، في محطة جديدة من مشواره المهني، الذي تنقّل خلاله بين الصحافة الرياضية والتعليق الإذاعي والتلفزيوني، ومرّ بتجربة العمل الرياضي والإعلامي خلال سنوات الثورة السورية، وصولاً إلى المشاركة في اختيار أبرز نجوم كرة القدم في العالم.
وفي تصريحات خاصة لـ”راديو البلد”، كشف قنواتي تفاصيل اختياره لعضوية لجنة التحكيم، والمعايير المعتمدة في التصويت، مستعرضًا تجربته الإعلامية ورؤيته للتحديات التي تواجه الرياضة السورية ومستقبلها.
كيف وصل قنواتي إلى لجنة تحكيم الكرة الذهبية؟
يوضح قنواتي أنّ انضمامه إلى هيئة المحكمين جاء عبر اختيار مباشر من رئاسة تحرير مجلة “فرانس فوتبول” الفرنسية، التي تواصلت معه عبر البريد الإلكتروني العام الماضي، ليشارك للمرة الأولى في التصويت، قبل تجديد اختياره للعام الثاني على التوالي.
ويقول في حديثه لـ”راديو البلد”: “اختارتني مجلة فرانس فوتبول عبر رئاسة تحريرها العام الماضي عبر البريد الإلكتروني، وشاركت فعلاً بعد أن تم عرض مدونة سلوك ولوائح يجب أن تتقيد بها لجنة التحكيم”.
ويشير إلى أنّ التعليمات تتضمن الالتزام بسرية التصويت وعدم تسريب المعلومات المتعلقة به قبل الإعلان الرسمي عن الجوائز ونشر تفاصيل النتائج عبر المجلة الفرنسية، مؤكداً مشاركته مجدداً هذا العام ضمن الجوائز، التي يحق له التصويت عليها.
ويشرح أنّ اختيار الصحفيين المشاركين يستند إلى احترافيتهم وخبرتهم الرياضية، ومدى متابعتهم للمنافسات الكروية المحلية والعالمية، بما يمنح هيئة التحكيم طابعاً دولياً متخصصاً.
مئة صحفي يحددون الفائز.. كيف يجري التصويت؟
عن آلية اختيار الفائز بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم، يوضح قنواتي أنّ لجنة التحكيم الخاصة بفئة الرجال تضم 100 صحفي رياضي، يمثل كل منهم دولة واحدة من الدول المئة الأولى في تصنيف الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
ويختار كل محكّم عشرة لاعبين، يرتبهم بحسب الأفضلية من قائمة نهائية تضم 30 مرشحاً، لتُمنح النقاط وفق ترتيب محدد، يبدأ بـ15 نقطة للمركز الأول، و12 نقطة للمركز الثاني، ثم 10 نقاط للمركز الثالث، وصولاً إلى نقطة واحدة للمركز العاشر، ويُتوّج بالجائزة اللاعب الذي يجمع أعلى رصيد من النقاط بعد احتساب أصوات أعضاء اللجنة.
ويؤكّد قنواتي أنّ التصويت لا يعتمد على شهرة اللاعبين أو جماهيريتهم وحدها، بل تحكمه ثلاثة معايير أساسية، تتقدمها جودة الأداء الفردي والتأثير الحاسم للاعب، يليها الأداء الجماعي والألقاب التي حققها مع ناديه أو منتخب بلاده، ثم الرقي في السلوك والروح الرياضية.
ويلفت إلى أنّ عدد الصحفيين المصوتين حُدد بمئة صحفي، منذ عام 2022، بعدما كان يصل سابقاً إلى نحو 170 صحفياً من مختلف القارات، في إطار تعديلات استهدفت تعزيز جودة التصويت وتركيزه على الدول الأعلى تصنيفاً كروياً.
من باريس إلى لندن.. احتفال بـ70 عاماً من الكرة الذهبية
وتكتسب نسخة 2026 طابعاً استثنائياً، إذ استضاف مسرح “لندن بالاديوم” في العاصمة البريطانية، يوم الإثنين (26 تشرين الأوّل)، الحفل السنوي للجائزة، للمرة الأولى خارج فرنسا.
وجاء اختيار لندن تزامناً مع الذكرى السبعين لتأسيس الجائزة عام 1956، وتكريماً لإرث اللاعب الإنكليزي الراحل السير ستانلي ماثيوز، أوّل من تُوّج بالكرة الذهبية.
وتُنظم الجائزة مجلة “فرانس فوتبول” بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، في شراكة بدأت عام 2024، بعد سنوات من التحولات التي شهدتها الجائزة، أبرزها دمجها مع جائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2010 تحت مسمى “كرة الفيفا الذهبية”، قبل انفصال الجائزتين عام 2016.
هاري كين وبوتياس يتوجان بالكرة الذهبية لعام 2026
وشهد حفل الكرة الذهبية لعام 2026 تتويج المهاجم الإنكليزي هاري كين، نجم بايرن ميونيخ الألماني، بجائزة أفضل لاعب في العالم للمرة الأولى في مسيرته، بعد موسم استثنائي سجّل خلاله 73 هدفاً في 65 مباراة مع ناديه ومنتخب بلاده.
وتفوّق كين على الفرنسي كيليان مبابي والإسباني لامين يامال، اللذين حلّا في المركزين الثاني والثالث على التوالي، وأصبح كين أوّل لاعب إنكليزي ينال الجائزة منذ مايكل أوين عام 2001.
وفي فئة السيدات، حصدت النجمة الإسبانية أليكسيا بوتياس جائزة الكرة الذهبية للمرة الثالثة في مسيرتها، بعد تتويجها عامي 2021 و2022، معادلة الرقم القياسي لزميلتها السابقة أيتانا بونماتي، وذلك عقب موسم حافل بالإنجازات مع برشلونة، تُوّجت خلاله بأربعة ألقاب، أبرزها دوري أبطال أوروبا للسيدات.
عشرون عاماً في الإعلام وتجربة خاصة خلال الثورة السورية
بعيداً عن أضواء الكرة الذهبية، يستعيد عروة قنواتي محطات من مسيرته المهنية التي بدأت قبل نحو عقدين، وعمل خلالها في صحف ومجلات ومواقع رياضية متعددة، إلى جانب التعليق على مباريات كرة القدم، وإعداد البرامج وتقديمها.
ويستعيد قنواتي، في حديثه لـ”راديو البلد”، جانباً من تجربته خلال سنوات الثورة السورية، مشيراً إلى مشاركته مع مجموعة من الرياضيين في تأسيس “الهيئة العامة للرياضة والشباب”، التي شكّلت، بحسب وصفه، أحد أبرز الكيانات الرياضية المرتبطة بالثورة السورية على مدى سنوات طويلة.
ويقول: “نقلنا صورة الرياضي السوري الحر في أغلب المواقع والمدن والبلدات، وحتى في دول المهجر”، موضحاً أنّ جهودهم لم تقتصر على نقل المشهد الرياضي، بل شملت أيضاً توثيق انتهاكات عديدة طالت الرياضيين السوريين والمنشآت والملاعب والبنى التحتية الرياضية، من جراء هجمات قوات نظام الأسد المخلوع وحلفائه، والقصف الروسي خلال تلك المرحلة.
ولم تقتصر تجربته على الصحافة المكتوبة، إذ عمل معلقاً على مباريات كرة القدم في دوري الشمال السوري لمدة أربع سنوات، وشارك ضيفاً في برامج رياضية عبر شاشات محلية وعربية ودولية، تناولت قضايا الرياضة السورية والعربية والعالمية.
ويشغل قنواتي حالياً عضوية المكتب الإعلامي في الاتحاد العربي السوري لكرة القدم، إلى جانب عمله مسؤولاً للتحرير في صحيفة “الموقف الرياضي”، ومعدّاً ومقدّماً للبرامج في إذاعة “روزنة”.
قنواتي: الرياضة السورية تحتاج سنوات للنهوض
وفي سياق حديثه عن واقع الرياضة السورية، يرى قنواتي أنّ التحديات التي تواجه القطاع لا تقتصر على الجوانب الإدارية أو اختيار الأشخاص القادرين على إدارة المؤسسات الرياضية، وإنما تمتد إلى مشكلات اقتصادية وبنيوية تتطلب حلولًا بعيدة المدى.
ويؤكّد أن المنشآت والملاعب الرياضية بحاجة إلى الصيانة والتأهيل وإدخال التقنيات الحديثة، بالتوازي مع توفير بيئة اقتصادية تسمح بتطوير الأندية والمنتخبات ومختلف الألعاب الرياضية.
ويقول لـ”راديو البلد”: “الوضع الرياضي في سوريا بحاجة إلى كثير من العمل والجهد وتضافر النوايا الحسنة من أجل النهوض والارتقاء لحالة أفضل وأقوى”.
ويشدّد على أهمية الاستثمار وضخ الأموال في القطاع الرياضي، وضرورة البحث في خيارات خصخصة الأندية أو تبني نماذج إدارية واقتصادية مشابهة، بما يساعد على تحسين مواردها وقدرتها على المنافسة.
ويضيف: “القطاع الرياضي لا يمكن أن يعطي ثماراً في لمح البصر أو بسرعة البرق”، معتبراً أنّ سوريا تحتاج إلى سنوات إضافية لتحسين واقع الألعاب الجماعية والفردية، وإعادة بناء قطاع رياضي أكثر قوة واستقراراً.
بين المشاركة في اختيار أفضل لاعبي العالم والتطلع إلى النهوض بواقع الرياضة السورية، تختصر تجربة عروة قنواتي مسيرة إعلامية امتدت لنحو عقدين، تنقّل خلالها من تغطية الملاعب المحلية وتوثيق معاناة الرياضيين السوريين خلال سنوات الثورة، إلى عضوية لجنة تحكيم واحدة من أرفع الجوائز الفردية في كرة القدم العالمية، في محطة تعكس حضور الكفاءات الإعلامية السورية على الساحة الرياضية الدولية.