بعد قرار إغلاق فرعها في الراعي.. طلاب “جامعة العلوم الصحية” يناشدون إنقاذ عامهم الجامعي
بعد نحو سبعة أشهر من قرار نقلهم إلى الجامعات السورية، دخل طلاب كلية الطب والمعهد الصحي التابعين لـ”جامعة العلوم الصحية” التركية في مدينة الراعي شرقي حلب، العام الدراسي 2026–2027، من دون معرفة الجامعة، التي سيكملون فيها دراستهم أو آلية معادلة مقرراتهم.
وبينما تحدّثت الجهات الرسمية مراراً عن حسم الملف قبل انطلاق العام الجامعي، يقول طلاب إنّ الدوام في فرعهم توقّف، فيما بدأت الجامعات السورية الدراسة والتدريب العملي، لتتحوّل قضية إدارية وأكاديمية معلّقة إلى سباق مع الوقت خشية خسارة فصل أو عام كامل.
وبعد أشهر من الاجتماعات واللجان والمباحثات السورية-التركية، ما يزال مئات الطلاب في كلية الطب البشري والمعهد العالي للخدمات الصحية التابعين لـ”جامعة العلوم الصحية” التركية (SBÜ)، ينتظرون تنفيذ قرار نقلهم إلى الجامعات والمعاهد السورية.
الطلاب، الذين يقدّر عددهم بنحو 500 إلى 550 طالباً بين كلية الطب والتخصصات الصحية، بحسب شهادات عدد منهم، يقولون إنّ مشكلتهم لم تعد متعلقة بمبدأ إغلاق الفرع أو استمراره بقدر ما أصبحت مرتبطة بما سيحدث لهم الآن: أين سينقلون؟ في أي سنة دراسية سيُوضعون؟ كيف ستُعادَل مقرراتهم؟ وأين سيستكمل طلاب السنوات السريرية والتخصصات التطبيقية تدريبهم؟
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحاً مع دخول العام الدراسي 2026–2027 فعلياً، فبحسب الطلاب الذين تحدثوا لـ”راديو البلد”، بدأ الدوام في فرع الراعي خلال أيلول قبل أن يتوقف، بينما انطلقت الدراسة في الجامعات الحكومية السورية وبدأت التدريبات العملية لبعض الكليات الطبية، من دون أن يتلقوا حتى الآن آلية تنفيذية واضحة لنقلهم.
“قرار منذ آذار 2026 والتعليمات التنفيذية مؤجلة”
تعود نقطة التحوّل الأساسية إلى مطلع آذار 2026، عندما أصدر مجلس التعليم العالي السوري حزمة قرارات لتنظيم واقع فروع الجامعات التركية في الشمال السوري.
وفيما يتعلق بـ”جامعة العلوم الصحية” في الراعي، قرّر المجلس نقل طلاب الطب البشري إلى الكليات المماثلة في الجامعات السورية، ونقل طلاب المعهد العالي للخدمات الصحية إلى المعاهد الطبية والصحية الخاضعة لإشراف المجلس الأعلى للتعليم التقاني، بما يتوافق مع اختصاصاتهم.
كذلك، اعتمد المجلس الخطط الدراسية واللوائح الداخلية المطبقة في الكلية والمعهد، وقرّر تسوية أوضاع الكوادر الأكاديمية والإدارية، مؤكّداً -في حينه- أنّ التفاصيل التنفيذية للقرارات ستعلن لاحقاً عبر القنوات الرسمية، وهنا تحديداً، يقول الطلاب، بدأت مرحلة انتظار امتدت من نهاية العام الدراسي الماضي إلى بداية العام الجديد.
الطالب بلال الراغب -طالب طب في جامعة العلوم الصحيّة- يقول لـ”راديو البلد”، إنّ الطلاب تعاملوا مع القرار منذ البداية على أساس أن النقل سيُنجز بعد انتهاء العام الدراسي 2025–2026، بما يتيح لهم الانتقال إلى الجامعات السورية قبل بداية الدراسة الجديدة، لكن ذلك لم يحدث.
ويضيف: “مطلبنا ليس استثنائياً، نطالب فقط بقرار رسمي واضح وسريع يضمن استمرار تعليمنا ويحفظ السنوات التي درسناها وحقوقنا الأكاديمية، وألا نبقى معلّقين حتى ينتصف العام الدراسي”.
وبحسب “الراغب”، فإنّ المشكلة اليوم لا تقتصر على تأخّر صدور قرار إداري، بل إنّ الدوام في الجامعة توقّف كلياً، في وقت بدأت فيه الجامعات السورية عامها الأكاديمي، وبدأت التدريبات العملية للطلاب الطبيين، ما يجعل كل أسبوع إضافي من التأخير أكثر صعوبة في تعويضه.

“وعود بالحسم قبل بداية العام الدراسي”
منذ آذار، مر الملف بسلسلة طويلة من المحطات الرسمية، ففي شهر حزيران، أقرّ مجلس التعليم العالي اعتماد وتصديق الشهادات الممنوحة لخريجي فروع الجامعات التركية في شمالي سوريا، وبينها “جامعة العلوم الصحية” في الراعي، وجرى تكليف جامعة حلب باستكمال إجراءات التصديق والتعديل، لكن هذا القرار عالج بصورة أساسية أوضاع الخريجين، بينما بقي مصير الطلاب الحاليين مرتبطاً بآلية النقل والدمج.
وبعد أيام، بحث وزير التعليم العالي مروان الحلبي مع السفير التركي لدى دمشق نوح يلماز، إمكانية دمج الطلاب الحاليين في جامعة حلب، بعد إيجاد تعليمات تنفيذية بالتنسيق مع مجلس التعليم العالي التركي.
وفي 24 حزيران، شدّدت الوزارة على أهمية إنجاز ملف جامعتي غازي عنتاب والعلوم الصحية في الراعي قبل بدء العام الدراسي التالي، واستمرت المباحثات في تموز، قبل أن يؤكّد الحلبي نهاية الشهر، أنّ أي ترتيبات أو تسويات للجامعات التركية ستتم بالتنسيق والتوافق مع أنقرة.
وبعد زيارة وفد وزارة التعليم العالي السورية إلى تركيا، مطلع آب الماضي، وتوقيع اتفاقية تعاون في مجال التعليم العالي، أُعلن عن تشكيل لجنة سورية-تركية مشتركة لدراسة واقع الجامعات التركية ووضع حلول تنفيذية، على أن تبدأ عملها بصورة فورية بهدف الوصول إلى حلول نهائية قبل انطلاق العام الدراسي الجديد في سوريا، لكن العام الدراسي انطلق، بينما يقول طلاب الراعي إنّ خطوة النقل التي ينتظرونها لم تُنفذ بعد.
جامعة العلوم الصحية التركية: الدراسة لن تتوقف
ففي 26 آب 2026، نشرت رئاسة الجامعة بياناً رسمياً بشأن كلية الطب والمعهد الصحي في الراعي، قالت فيه إن المباحثات مستمرة لمنع تعرض الطلاب لأي ضرر في تعليمهم أو معادلة شهاداتهم، وإن الهدف هو استمرار التعليم من دون انقطاع.
وأضافت الجامعة بشكل صريح أنّه لم يصدر قرار بوقف التعليم، وأنّ الطلاب سيواصلون دراستهم، داعية إلى انتظار القرار النهائي بعيداً عن المعلومات غير الصحيحة والتكهنات.
وبعد نحو شهر من ذلك البيان، يقدم الطلاب صورة مختلفة عن الواقع على الأرض، حيث يقول بلال الراغب إنّ الدوام بدأ بالفعل خلال أيلول، قبل أن يتوقّف لاحقاً، وإنّ الطلاب لا يداومون حالياً لا في فرع الراعي ولا في الجامعات السورية، التي يفترض نقلهم إليها.
أمّا عثمان العثمان -الطالب في السنة الثانية- فيقول لـ”راديو البلد”، إنّ الملف بقي طوال الأشهر الماضية بين الاجتماعات السورية-التركية، بينما الطلاب لا يعرفون النتيجة التي انتهت إليها تلك الاجتماعات، مردفاً: “الدوام بدأ في الجامعات السورية والتركية ونحن ما زلنا معلّقين، وقد توقف دوامنا كلياً”.
وبحسب العثمان، يزيد القلق لدى الطلاب مع وجود طلبة وصلوا إلى السنوات المتقدمة في كلية الطب، بما فيها السنة السادسة، في حين لم تُخرّج الكلية حتى الآن دفعتها الطبية الأولى، وكان قرار مجلس التعليم العالي السوري في آذار، قد أشار أيضاً إلى عدم وجود خريجين من كلية الطب في الراعي في ذلك الوقت.
مَن سينقل وإلى أين وماذا سيحدث للمواد؟
القلق لا يتعلّق بموعد النقل وحده، فالطالب عبد الله الصالح -سنة ثانية طب بشري- يقول لـ”راديو البلد”، إنّ الطلاب أُبلغوا بأنّ الفرع لن يستمر بصيغته السابقة ابتداء من العام الدراسي الحالي، وإنهم سينقلون إلى الكليات السورية المعادلة، لكنهم لم يتلقوا حتى الآن توضيحاً كافياً حول الجامعة، التي سيُنقل إليها كل طالب أو آلية معادلة مقرراته وسنواته الدراسية.
ويضيف الصالح: “هناك احتمال أن نخسر فصلاً دراسياً أو عاماً دراسياً كاملاً، لأننا إلى الآن لم نُنقل ولم يبدأ دوامنا”، مطالباً بنقل “سريع وبطريقة واضحة وعادلة تحفظ حقوقنا”.
والمسألة تصبح أكثر تعقيداً لدى طلاب المعهد الصحي، خاصّةً في اختصاصات يقول الطلاب إنّها لا تملك مقابلاً مطابقاً في المعاهد السورية، حيث يوضّح سعد الدين الواكي -طالب باختصاص عمليات جراحية في المعهد– قائلاً: إنّ زملاءه أمضوا سنوات في دراسة مواد متخصصة وتلقوا تدريباً عملياً في مستشفيات الشمال السوري، وإنّ السؤال الذي يشغلهم اليوم هو كيفية التعامل مع الفروق بين برنامجهم والبرامج الموجودة في المعاهد السورية.
ويضيف الواكي لـ”راديو البلد”، أنّ عاماً واحداً تقريباً يفصل بعض طلاب المعهد عن التخرّج، متسائلاً عن مصير تخصصهم في حال لم يوجد برنامج سوري مماثل، وعن مصير الساعات العملية التي أنجزوها.
كذلك، يُطالب الواكي بخطة مكتوبة تحدد آلية النقل ومعادلة المقررات، وتضمن عدم خسارة الطالب لأي مادة أو سنة اجتازها، إضافة إلى تحديد آلية استمرار التدريب العملي، ويفضل أن يبقى جزء منه في مستشفيات الشمال القريبة من أماكن إقامة الطلاب متى كان ذلك ممكناً أكاديمياً وإدارياً.

من ملف أكاديمي إلى سباق مع الوقت
على امتداد نحو سبعة أشهر، مرّ ملف “جامعة العلوم الصحية” التركية في الراعي بسلسلة من القرارات والاجتماعات واللجان والمباحثات المتعلقة بالنقل والدمج، رافقتها تعهدات رسمية بالوصول إلى معالجة تحفظ حقوق الطلاب قبل انطلاق العام الدراسي الجديد.
وأكدت الجهات السورية، في تصريحات متعاقبة، أنّ معالجة الملف تستهدف ضمان استقرار المسار الأكاديمي للطلاب وصون حقوقهم، فيما شدّدت “جامعة العلوم الصحية”، في آب الماضي، على ضرورة استمرار العملية التعليمية من دون انقطاع.
ومع بدء العام الجامعي، أصبحت قيمة هذه التعهدات، بالنسبة إلى الطلاب، مرتبطة بمدى ترجمتها إلى خطوات تنفيذية تعيدهم إلى مقاعد الدراسة وتحسم مصيرهم الأكاديمي.
وتتركز أسئلتهم اليوم حول موعد بدء النقل، والجامعات التي سيوزَّعون عليها، وآلية معادلة المقررات والسنوات الدراسية التي أنجزوها، إلى جانب مصير التدريب العملي والتخصصات التي لا يتوافر لها مقابل واضح في الجامعات والمعاهد السورية.
ويطالب الطلاب بسقفٍ زمني محدّد لتنفيذ عملية النقل، وجدولٍ معلن لمراحلها، وتعليماتٍ مكتوبةٍ توضّح آلية معادلة المقررات والتعامل مع الحالات الأكاديمية المختلفة، خشية أن يمتد التأخير إلى خسارة فصل دراسي أو عام كامل.
وبين قرار النقل الصادر في آذار 2026، والتعهدات المتكررة بإنجاز الملف قبل بداية العام الدراسي، والتأكيد التركي على استمرار التعليم، وصل الطلاب إلى نهاية أيلول وما تزال دراستهم متوقّفة، فلا دوام لهم في فرع الراعي، ولا انتقال مكتمل إلى الجامعات السورية، في وقت بدأ فيه العام الدراسي والتدريب العملي لزملائهم.
ومع مرور كل أسبوع إضافي، يتحوّل عامل الوقت إلى جزء من المشكلة نفسها، لذلك يختصر الطلاب مطالبهم في الإسراع بإقرار آلية تنفيذية واضحة تحفظ ما أنجزوه من سنوات ومقرّرات وتدريب، وتتيح لهم استئناف دراستهم من دون أن تتحوّل عملية إعادة تنظيم التعليم العالي في الشمال السوري، إلى عام جديد يُقتطع من مسيرتهم الجامعية.