Play
Pause
مِن آثار “إيمار وبالس” إلى “مئذنة مسكنة”.. مَن يحمي كنوز الفرات شرقي حلب؟
على ضفاف الفرات قرب مدينة #مسكنة

مِن آثار “إيمار وبالس” إلى “مئذنة مسكنة”.. مَن يحمي كنوز الفرات شرقي حلب؟

تواجه المواقع الأثرية في منطقتي “إيمار وبالس” قرب مدينة مسكنة شرقي حلب، مخاطر التخريب والتنقيب غير المشروع، وسط مطالبات محلية بحمايتها والاهتمام بمعالمها التاريخية، فيما تؤكّد مديرية الآثار والمتاحف في حلب إدراج المواقع الأثرية في الريف ضمن خطتها المقبلة، رغم محدودية الإمكانات المتاحة.

وتحتفظ المنطقة الواقعة على ضفاف نهر الفرات ببقايا مدن وتحصينات ومعالم معمارية تعود إلى حضارات تعاقبت عليها منذ آلاف السنين، من العصر البرونزي إلى العصور الرومانية والبيزنطية والإسلامية، وقد غمرت مياه بحيرة سد الفرات أجزاء واسعة من مواقعها الأثرية عقب إنشاء السد في سبعينيات القرن الماضي.

ودعا نائب رئيس بلدية مجمع حطين مصطفى القبلان، مديرية الآثار في حلب إلى تكثيف الاهتمام بالمواقع الأثرية في مسكنة ومحيطها، واتخاذ إجراءات لحمايتها من التخريب والتنقيب غير المشروع.

وشدّد القبلان في حديث لموقع “راديو البلد”، على أهمية مشاركة المجتمع المحلي في الحفاظ على هذه المواقع، داعياً أهالي مسكنة ومجمع حطين إلى التعاون في حمايتها ومنع التعديات عليها.

مديرية الآثار: خطة تدريجية تعرقلها محدودية الإمكانات
من جهته، أكّد مدير مديرية الآثار والمتاحف في حلب، الأستاذ منير قسقاس، وجود خطة للاهتمام بالمواقع الأثرية في المحافظة، تشمل مناطق الريف، وفق أولويات تبدأ بالمواقع الأقرب إلى مدينة حلب، ثم تمتد تدريجياً إلى المناطق الأبعد.

وقال قسقاس لـ”راديو البلد” إنّ المديرية خاطبت الجهات الأمنية، وزودتها بأرقام هواتف أشخاص تركوا كتابات وأرقاماً على المعالم الأثرية، بهدف ملاحقتهم وإحالتهم إلى القضاء.

وأوضح أن ضعف الإمكانات المتاحة للمديرية يحد من قدرتها على تنفيذ الأعمال المطلوبة، مشيراً إلى أن المواقع الأثرية في ريف حلب مدرجة ضمن خطة العمل، وسيجري الاهتمام بها على مراحل وفق الإمكانات المتوفرة واستقرار الأوضاع.

ولم يحدّد “قسقاس” موعداً لبدء أعمال الحماية في موقعي إيمار وبالس، في ظل اعتماد المديرية ترتيباً تدريجياً للعمل في المواقع الأثرية من مدينة حلب باتجاه أريافها.

إيمار.. مرفأ تجاري بين بلاد الشام والرافدين
وعن الأهمية التاريخية للمنطقة، أفاد مدير مكتب آثار منبج، الباحث الأكاديمي عبد الوهاب عبد الوحيد الشيخو، بأنّ موقع مدينة إيمار القديمة على نهر الفرات منحها أهمية تجارية كبيرة، وجعلها نقطة اتصال بين مدينة حلب وطرق التجارة المؤدية إلى البحر المتوسط من جهة، وبلاد الرافدين من جهة أخرى.

وأوضح الشيخو لـ”راديو البلد”، أنّ المدينة شهدت خلال القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد تطوراً عمرانياً مهماً في ظل النفوذ الحثي، تميز ببناء مصاطب ومدرجات حجرية على الهضبة الصخرية المطلة على الفرات.

وأدّت “إيمار” دور مرفأ نهري لنقل البضائع بين الطرق البرية والنهرية، وورد ذكرها في نصوص تاريخية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، قبل أن تشهد إعادة بناء واسعة خلال العصر البرونزي المتأخر.

وخلال سبعينيات القرن الماضي، بدأت أعمال التنقيب في الموقع ضمن حملة دولية لإنقاذ آثار الفرات، قبل ارتفاع منسوب المياه نتيجة إنشاء سد الطبقة.

وسبق أن نفّذت بعثة أثرية فرنسية بإشراف عالم الآثار جان كلود مارغرون، ستة مواسم تنقيب بين عامي 1972 و1976، كشفت خلالها عن معابد ومساكن ومنشآت معمارية، إلى جانب أكثر من 800 نص مسماري.

ووثقت الألواح المكتشفة جوانب من الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية لسكان المدينة، شملت العقود والمعاملات التجارية والطقوس الدينية، وأسهمت في التعرف إلى طبيعة المجتمع الذي عاش في إيمار قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

بالس.. تحصينات بيزنطية ومئذنة نجت من الغمر
كذلك، شهدت المنطقة (مسكنة حالياً) تحوّلات تاريخية عقب دمار “إيمار” في نهاية العصر البرونزي المتأخّر، قبل أن تبرز مدينة “بارباليسوس”، المعروفة لاحقاً باسم “بالس”، خلال العهدين الروماني والبيزنطي، بوصفها موقعاً عسكرياً مهماً على نهر الفرات.

وبحسب دراسات أثرية، شهدت المنطقة خلال العصر البيزنطي أعمال بناء وتحصين شملت أسواراً وأبراجاً دفاعية، ما تزال بقايا بعضها قائمة حتى اليوم، وقد بلغ ارتفاع بعض تلك الأبراج نحو 25 متراً، وكانت جزءاً من منظومة دفاعية أقيمت على امتداد وادي الفرات.

وفي العصر الإسلامي، اكتسبت “بالس” أهمية تجارية وعمرانية، وبرزت فيها معالم تاريخية، أبرزها المئذنة الأثرية المثمنة الشكل، المشيدة من الآجر، والمعروفة اليوم باسم “مئذنة مسكنة”.

وجرى نقل المئذنة وإعادة تشييدها على أرض مرتفعة لحمايتها من الغمر بمياه بحيرة سد الفرات، فيما تأثرت أجزاء أخرى من المواقع الأثرية والتحصينات القديمة بارتفاع منسوب المياه وتآكل الضفاف.

ومع انحسار مياه البحيرة خلال فترات لاحقة، ظهرت بقايا منشآت ومعالم تاريخية، ما استدعى إجراء أعمال مسح وتوثيق أثري، وفي تموز 2025، أُعلن انتهاء المرحلة الأولى من أعمال المسح الأثري لموقعي “إيمار وبالس”، التي استهدفت توثيق الآثار التي كشف عنها تراجع منسوب المياه.

في ظلّ المخاطر التي تواجه آثار المنطقة، تتجدّد المطالبات بحماية المواقع الأثرية شرقي حلب، وتكثيف أعمال التوثيق والصيانة والحد من التعديات، حفاظاً على ما تبقى من معالم تاريخية تشهد على تعاقب الحضارات على ضفاف الفرات منذ آلاف السنين.

اشترك لمتابعة أحدث الحلقات

اشترك لتصلك أحدث المستجدات من راديو البلد