لون أحمر يثير الاستغراب، ورائحة نفّاذة يشبّهها سائقون بـ”التنر”، وسيارات بدأت بالتقطيع أو واجه أصحابها صعوبة في التشغيل بعد وقت قصير من تعبئة الوقود.
هذه التفاصيل تكرّرت في شهادات جمعها “راديو البلد” من أصحاب سيارات في حلب، وتقاطعت مع صور ومقاطع متداولة تظهر وقوداً مائلاً إلى الأحمر داخل عبوات شفافة.
وخلال اليومين الماضيين، اتسعت الشكاوى من البنزين المتداول في عدد من المحطات، مع حديث متكرّر عن أعطال ظهرت بعد التعبئة مباشرة، وفي استطلاع أجراه “راديو البلد” بين عدد من السائقين، تحدث بعضهم عن صعوبة في تشغيل السيارات وظهور شوائب في الوقود، فيما قال آخرون إنهم اضطروا إلى تبديل مصافي البنزين أكثر من مرة خلال فترة قصيرة.
ومع انتشار قصص الأعطال، قال سائقون إنهم باتوا أكثر تردداً قبل التوجه إلى محطات الوقود، خشية تكرار المشكلة في سياراتهم، بينما أكّد أصحاب محطات لـ”راديو البلد”، أنّ الكميات التي تسلموها وصلت عبر الشركة السورية للمشتقات النفطية “سادكوب”، وأن توزيعها شمل محافظات أخرى أيضاً.
المعطيات المتاحة حتّى الآن تكشف عن شكاوى متكررة ومسار توزيع معروف، لكنها لا تحسم طبيعة الوقود أو سبب الأعطال، ويبقى السؤال الأساسي: ما الذي وصل فعلياً إلى محطات الوقود وخزّانات السيارات؟
“جيت عبّي والله يستر”
حالة القلق بين السائقين تظهر بوضوح في استطلاع أجراه “راديو البلد”، حيث يقول أحد أصحاب السيارات: “ع السوشال ميديا شفنا وسمعنا إنو البنزين مضروب، وهلّق جيت عبّي والله يستر”، فيما تحدّث آخر عن مشكلة في تشغيل سيارته، قائلاً: “البنزين ما عم يشغّل السيارة، قال لازم نعبّيلو زيت مشان يشتغل”.
أمّا صاحب سيارة ثالث، فيقول إنّه اضطر إلى مراجعة الميكانيكي مراراً بسبب مشكلات في منظومة الوقود، مضيفاً: “المصفاية عم نغيرها باستمرار.. صرت جيب كرتونة مصافي”.
ويلخص سائق آخر حالة الاستياء بالقول: “البنزين يلي عم يجي، الكل عم يشتكي منو، وصار يأثر ع كل السيارات، والقصة أخدت حدا وزيادة، عدا عن إنو البنزين غالي أساساً”.
كذلك، اطلع “راديو البلد” على صور ومقاطع مصورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر في بعضها وقود مسحوب من خزّانات سيارات إلى عبوات بلاستيكية، بلون أحمر أو مائل إلى البرتقالي الداكن.
ويرافق هذه المقاطع حديث من ناشريها وأصحاب مركبات عن رائحة نفّاذة وغير معتادة، شبّهها بعضهم برائحة “التنر”، إلى جانب ادعاءات بأنّ المركبات بدأت بالتقطيع أو توقّفت عن العمل بعد التزود بالوقود.
أصحاب محطات: البنزين وصل عبر “سادكوب”
بحسب أصحاب محطات تحدثوا إلى “راديو البلد”، وصلت كميات البنزين التي تسلموها عبر “سادكوب”، وهو ما يضع مسار الشحنة كله تحت السؤال، من لحظة التوريد والتخزين، مروراً بالنقل، وصولاً إلى المحطات.
وتزداد أهمية معرفة هذا المسار في سوق يعتمد على توزيع كميات كبيرة من الوقود عبر شبكة واسعة من المستودعات والصهاريج والمحطات، إذ يمكن لأي خلل في دفعة واحدة أن يظهر في أكثر من منطقة خلال وقت قصير.
ومن هنا تبدو معرفة مصدر الدفعة التي أثارت الشكاوى، والكميات التي وُزعت منها، والمحطات التي وصلت إليها، خطوة أساسية لفهم ما حدث فعلياً، وتحديد ما إذا كانت الحالات المسجلة ترتبط بالشحنة نفسها أو بأسباب أخرى.
ويبقى الحسم مرتبطاً بما تكشفه إجراءات الفحص والتتبع: كيف فُحصت الشحنة قبل توزيعها؟ أين خُزنت؟ كيف نُقلت؟ وما النتائج التي تظهرها العينات المأخوذة من المحطات والسيارات المتضررة؟
سوق حسّاس وأي خلل يمتد سريعاً
تأتي هذه الشكاوى في وقت يمر فيه سوق المشتقات النفطية في سوريا بظروف معقدة، مع اعتماد متزايد في بعض الفترات على توريد مشتقات جاهزة من الخارج، بالتوازي مع تراجع الإنتاج المحلي أو توقف أجزاء من منظومة التكرير لأسباب تشغيلية أو فنية.
وفي مثل هذا السوق، تصبح الرقابة على الشحنات وفحصها قبل دخولها إلى شبكة التوزيع مسألة حاسمة، خصوصاً عندما تنتقل الكميات نفسها بين مستودعات ومحطات في أكثر من محافظة.
وأي مشكلة في دفعة كبيرة يمكن أن تتوسع بسرعة مع استمرار النقل والتوزيع، لذلك يصبح تتبع الشحنة ومعرفة نقاط مرورها جزءاً أساسياً من تحديد مصدر الخلل وحجمه.
المواطن قد يدفع ثمن الوقود والعطل معاً
بالنسبة إلى أصحاب السيارات، تبدأ المشكلة من المضخة وقد تنتهي في ورشة الصيانة، فالبنزين المشكوك بجودته قد يحمّل السائق كلفة تتجاوز ثمن التعبئة نفسها، من سحب السيارة وتنظيف الخزان وتبديل المصفاة، إلى إصلاح المضخة أو البخاخات أو أجزاء أخرى تتأثر بحسب طبيعة العطل.
وتظهر هذه المخاوف بوضوح في شهادات السائقين الذين التقاهم “راديو البلد”، فأحدهم اختصرها بالقول: إنّ البنزين “غالي أساساً”، فيما أضيفت إلى كلفته مؤخّراً، مخاوف من الأضرار التي قد يخلّفها في السيارة.
وإذا أكدت الفحوص الرسمية وصول وقود غير مطابق للمواصفات وتسببه بأعطال، ستفتح القضية باباً آخر يتعلق بالمسؤولية والتعويض: مَن يتحمّل كلفة الأضرار؟ وكيف يمكن توثيق الحالات المتضررة والتحقق منها وحصرها؟
حتّى الآن، تبقى أسئلة أساسية من دون إجابات معلنة: هل خضعت الكميات المتداولة للفحص؟ ماذا أظهرت العينات؟ ما مصدر الدفعة التي تتركز حولها الشكاوى؟ ما حجمها؟ وأين وُزعت؟ وهل سُحبت أي كميات منها أو أوقف توزيعها بعد ظهور هذه الحالات؟
وتبقى معرفة النقطة التي وقع فيها الخلل مفتاح القضية؛ هل كان في الشحنة نفسها، أم خلال التخزين، أم في أثناء النقل، أم في مرحلة لاحقة من التوزيع؟
المؤكّد حتى الآن هو وجود شكاوى متعددة من أصحاب سيارات في حلب عن أعطال ظهرت بعد التزود بالوقود، إلى جانب تأكيد أصحاب محطات أن البنزين الذي تسلموه وصل عبر “سادكوب”، أمّا تحديد السبب، فيحتاج إلى نتائج مخبرية معلنة ومسار واضح للشحنة من المصدر حتى المضخة.
وحتّى تظهر هذه المعطيات، تختصر عبارة أحد سائقي حلب جانباً كبيراً من القلق السائد: “جيت عبّي والله يستر”.