أثار تراجع مجلس مدينة الباب شرقي حلب، عن تعميم يشترط استيفاء الموافقات النقابية على معاملات تراخيص البناء والمخططات الهندسية، بعد خمسة أيام من إصداره، خلافاً مع نقابة المهندسين حول آلية تدقيق المخططات وتصديقها، والجهة المخوّلة بمراجعتها فنياً قبل اعتمادها، وسط تساؤلات عن المسؤولية المهنية ومدى توافق الإجراءات الجديدة مع الأنظمة الهندسية المعمول بها.
وبينما يؤكّد رئيس مجلس المدينة المهندس علي الرجب، أنّ البلدية تتولى تدقيق المخططات فنياً بعد إعدادها في المكاتب الهندسية، يتمسك نقيب المهندسين في الباب محمد عبد الكريم، بأهمية التدقيق والتصديق النقابي، محذّراً من مخاطر إسناد مراجعة المخططات إلى مهندسين لا يمتلكون التأهيل المهني المطلوب، وفق قوله.
“تعميم يلغي آخر خلال خمسة أيام”
بدأ الخلاف عقب إصدار مجلس مدينة الباب “التعميم رقم 946” بتاريخ 21 تشرين الأوّل 2026، الذي نص على عدم استقبال معاملات الترخيص أو المخططات الهندسية لدى المكاتب الفنية في البلدية ما لم تكن مستوفية الشروط والموافقات من نقابة المهندسين.
وطلب التعميم من المهندسين مراجعة النقابة لاستكمال الاعتمادات المطلوبة قبل مراجعة البلدية.


لكن المجلس أصدر تعميماً جديداً حمل “الرقم 979″، في 26 تشرين الأوّل، ألغى بموجبه العمل بالتعميم السابق، وطلب من كل مهندس يتقدم بمخططات ترخيص بناء إلى المجلس إبراز وثيقة نقابية رسمية تثبت تسجيله في نقابة المهندسين.
ويظهر من مقارنة التعميمين أن المجلس انتقل من اشتراط استيفاء الموافقات النقابية على المعاملات والمخططات إلى الاكتفاء بإثبات تسجيل المهندس لدى النقابة، دون أن يتضمن التعميم الأخير اشتراطاً صريحاً بتصديق المخططات نقابياً قبل تقديمها.
نقابة المهندسين: العضوية وحدها لا تكفي
وقال نقيب المهندسين في الباب محمد عبد الكريم، لـ”راديو البلد”، إنّ التعميم الأوّل وصل إلى النقابة بعد عدة أيام من صدوره، قبل أن يفاجأ بإصدار تعميم آخر يلغي العمل به.
وأوضح أنّ المشكلة لا تتعلق بإثبات انتساب المهندس إلى النقابة فحسب، وإنما بآلية مراجعة المخططات الهندسية وتدقيقها، ومدى استيفائها المتطلبات الفنية قبل اعتمادها.
وبحسب عبد الكريم، تعتمد الآلية النقابية على الفصل بين المهندس الذي يُعدّ المخططات والمهندس الذي يتولى تدقيقها، مشيراً إلى أن أعمال التدقيق تتطلب خبرة وتصنيفاً مهنياً يؤهلان المهندس للقيام بهذه المهمة.
وأضاف أنّ المخططات تمر بمراحل تبدأ بإعدادها من مهندس مختص، ثم مراجعتها وتدقيقها من مهندس يمتلك التأهيل المطلوب، وصولاً إلى تصديقها من النقابة قبل تقديمها إلى البلدية، مبدياً تحفظه على إسناد التدقيق الفني إلى كوادر البلدية، معتبراً أنها لا تضم مهندسين بالتصنيف الاستشاري المطلوب لأداء هذه المهمة.
كذلك، حذّر عبد الكريم من أن اعتماد المخططات دون المرور بالإجراءات النقابية قد يثير إشكالات تتعلق بالكفاءة الفنية والمسؤولية المهنية، وما قد يترتب على الأخطاء الإنشائية من مخاطر تتصل بسلامة المباني.
رئيس مجلس المدينة: ندقق المخططات كما يُعمل به في النقابة
في المقابل، أوضح رئيس مجلس مدينة الباب المهندس علي الرجب، لـ”راديو البلد”، أنّ الهدف من التعميم الأخير هو ضبط إجراءات تقديم مخططات البناء، والتحقق من تسجيل المهندسين في النقابة وامتلاكهم الاختصاصات المناسبة.
وأشار إلى أنّ البلدية (مجلس المدينة) تتلقى مخططات من مهندسين يحملون اختصاصات لا تؤهلهم لإعداد بعض أنواع الدراسات الإنشائية، لافتاً إلى اختصاصات مثل المواصلات والطبوغرافيا.
وبيّن الرجب أن التعميم الأول فُهم على أنه يشترط إعادة إحالة المخططات إلى نقابة المهندسين لتصديقها، الأمر الذي دفع المجلس إلى إصدار تعميم ثانٍ لتوضيح المقصود، وهو إثبات التسجيل النقابي للمهندس واختصاصه.
وفي رده على سؤال لـ”راديو البلد” حول إمكانية اعتماد مخططات البناء بعد تدقيقها داخل البلدية دون تصديق نقابة المهندسين، أوضح الرجب أن المخططات تُعدّ وتُدرس من مهندسين يعملون في مكاتب هندسية، قبل أن تتولى البلدية تدقيقها.
وقال إنّ البلدية تدقق التسليح والنظام الإنشائي وضوابط البناء والهيكل، مشيراً إلى أنها تجري تدقيقاً مماثلاً، بحسب وصفه، لما هو معمول به في النقابة.
غير أن إجابة الرجب ركّزت على الإجراءات الفنية التي تتبعها البلدية، من دون تحديد النص القانوني أو النظامي الذي تستند إليه في اعتماد المخططات دون اشتراط تصديقها نقابياً.
ماذا تقول التشريعات والتعاميم السابقة؟
يأتي الخلاف في ظل وجود تشريعات وتعليمات هندسية صدرت خلال عهد النظام البائد، ولا يعني سقوطه إلغاءها تلقائياً، إذ تنص “المادة 51” من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار 2025، على استمرار العمل بالقوانين النافذة ما لم تُعدّل أو تُلغَ.
وينص “المرسوم التشريعي رقم 80 لعام 2010″، الناظم لمهنة الهندسة في سوريا، في مادته الرابعة، على اشتراط تسجيل المهندس لدى نقابة المهندسين لمزاولة المهنة، بينما تحدد المادة السادسة مسؤوليته عن سلامة العمل الهندسي الذي يؤديه ضمن قسمه واختصاصه ومرتبته.
وتقصر “المادة 55” مزاولة المهندس للمهنة على حدود الأقسام والاختصاصات التي تنص عليها شهادته الهندسية، وفق الأحكام والاستثناءات الواردة فيها.

وفي وثيقة منشورة تتناول تعميماً سابقاً لـ”رئاسة مجلس الوزراء” يحمل “الرقم 329/15″، وردت تعليمات بشأن عدم قبول الدراسات الهندسية المعدّة من المكاتب والشركات الهندسية الخاصة إلا بعد تصديقها من نقابة المهندسين، مع الإشارة إلى تعميم حكومي آخر صادر، في حزيران 2015، ينظم أسس التعاقد مع الجهات الهندسية الخاصة.
غير أن تحديد مدى استمرار سريان هذه التعليمات، وانطباقها على معاملات تراخيص البناء في مدينة الباب، يتطلب الرجوع إلى نصوصها الرسمية الكاملة وأي تعديلات لاحقة طرأت عليها.
وتنص “المادة 58” من “المرسوم رقم 80 لعام 2010″، على إلزام الجهات العامة وجهات القطاع المشترك والتعاوني والخاص بإبلاغ النقابة عن الاتفاقيات والعقود التي تبرمها مع المهندسين والمكاتب والشركات الهندسية الخاصة، دون أن تتضمن بذاتها حكماً صريحاً يلزم بتصديق كل مخطط بناء.
في المقابل، تتضمن أنظمة مزاولة المهنة المنشورة لدى نقابة المهندسين أحكاماً تنظم مسؤوليات التدقيق وتصديق أعمال المكاتب والشركات الهندسية الاستشارية قبل تقديمها إلى الجهات صاحبة المشاريع، ما يبرز أهمية تحديد نوع المكتب الهندسي المعني والأحكام المنطبقة على الدراسات المقدمة للبلدية.
متطلبات السلامة والمسؤولية المهنية
وفي سياق متصل، أصدرت نقابة المهندسين السوريين، بتاريخ 22 تشرين الأوّل 2026، كتاباً موجهاً إلى فروعها في المحافظات، دعت فيه إلى مراعاة متطلبات مقاومة الأحمال الزلزالية عند دراسة المنشآت والمباني، مهما كانت أنواعها وعدد طوابقها، وفق الكود العربي السوري وملحقه الثاني.

ورغم أن الكتاب لا يتناول مباشرة الخلاف بين مجلس مدينة الباب ونقابة المهندسين، فإنّه يسلط الضوء على أهمية الالتزام بالمعايير الإنشائية في إعداد الدراسات الهندسية، وهي مسألة تتصل بالنقاش حول آليات التدقيق والرقابة الفنية.
ويكشف اختلاف موقفي البلدية والنقابة عن تباين في الإجراءات التي يرى كل طرف ضرورة اتباعها قبل اعتماد المخططات، فالمجلس يؤكّد قيامه بالتدقيق الفني والتحقق من اختصاص مقدمي المعاملات، بينما تعتبر النقابة أن مراجعة المخططات وتصديقها وفق شروط التأهيل المهني يشكلان ضمانة إضافية لسلامة الدراسات وتحديد المسؤوليات.
ولا تثبت التعميمات والتصريحات المتاحة، بحد ذاتها، وجود خلل إنشائي في المخططات التي تعتمدها البلدية، كما لا تحسم ما إذا كانت إجراءات التدقيق داخل المجلس تستوفي جميع المتطلبات النظامية للتصديق المهني.
بين إلغاء اشتراط الموافقات النقابية وتأكيد استمرار التدقيق داخل البلدية، يبقى السؤال الأبرز: هل يجيز النظام الهندسي المعمول به اعتماد مخططات البناء من دون تصديق نقابة المهندسين، ومَن يتحمّل المسؤولية الفنية والقانونية في حال ظهور أخطاء إنشائية بعد تنفيذ المباني؟