“مَن نحن إذن؟”.. عتب فناني الثورة بعد عرض “طريق العودة” في دمشق

“مَن نحن إذن؟”.. عتب فناني الثورة بعد عرض “طريق العودة” في دمشق

لم ينتهِ الحديث عن العرض الخاص لفيلم “طريق العودة” بخروج الجمهور من دار الأوبرا في دمشق، ففي اليوم التالي، كان عدد من الفنانين والمخرجين وصنّاع المحتوى السوريين، الذين قدّموا أعمالاً خلال سنوات الثورة، يطرحون سؤالاً آخر: أين موقعنا في المشهد الفني اليوم؟

مساء الأربعاء 23 أيلول، أقامت المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون، برعاية وزارة الإعلام، عرضاً خاصاً لفيلم “طريق العودة” في دار الأوبرا بدمشق، بحضور رسمي وفني وإعلامي.

ويُقدَّم “طريق العودة” بوصفه أول إنتاج سينمائي للمؤسسة بعد سقوط نظام المخلوع بشار الأسد، ويتناول حكايات مستوحاة من حياة السوريين في المخيمات وتجارب النزوح، وما خلّفته من فقد وابتعاد عن المكان والعائلة.

بعد العرض، نشر فنانون ومخرجون وصنّاع محتوى عُرفوا بأعمالهم خلال الثورة السورية، منشورات تحدثوا فيها عن تكريم مَن قدّموا الفن خلال تلك السنوات، متسائلين عن غياب أسماء وتجارب يرون أنها كانت جزءاً أصيلاً من هذا المسار.

المخرج وصانع المحتوى محمود الجبلي، الذي عُرف خلال سنوات الثورة باسم “ثائر الشمالي”، اختصر عتبه بسؤال: “إذن، فمن نحن؟”، متحدثاً عن أفلام أنجزها مع زملائه ووصلت إلى مهرجانات ومنصات خارج سوريا، في وقت دفع فيه صنّاع تلك الأعمال أثمان الحرب والنزوح والتهجير.

والجبلي ليس اسماً طارئاً على هذه التجربة، إذ تشير مواد أرشيفية منشورة عن مسيرته إلى أنّه أنجز أكثر من عشرين فيلماً قصيراً، بينها فيلم “حصار” عام 2016، الذي تناول حصار مدينة حلب، وعُرض في مهرجان FICAE الدولي في إسبانيا، وحصل على جائزة “أفضل فيلم على الإنترنت” في مهرجان IMFF في الدنمارك، كما عُرض فيلمه القصير “نَفَس” ضمن برنامج “قمرة” للإعلامي أحمد الشقيري.

وعاد الجبلي في منشور ثانٍ ليقول إن “أفلام الثوار” وصلت إلى منصات خارج سوريا، بينما يشعر اليوم بأن أصحابها يغيبون عن منصات بلدهم، متسائلاً عمّا إذا كانت لدى وزارة الإعلام معايير محددة في اختيار المدعوين والمكرَّمين.

من جانبه، الفنان وصانع المحتوى يامن نور، طرح العتب نفسه بصيغة أكثر مباشرة: “نحنا وين من هالمشهد؟ وليش كل هالتجاهل؟”، مؤكداً أن القضية بالنسبة إليه ليست “درعاً” أو مجاملة، وإنما ذاكرة أشخاص عملوا في ظروف كان فيها “الفن موقفاً قبل ما يكون تكريم”.

وكان يامن نور واحداً من الوجوه البارزة في التجارب الفنية التي خرجت من مناطق المعارضة السورية، وشارك في صناعة أعمال ساخرة صُورت في ظروف الحرب في حلب.

ومن أشهر تلك التجارب مسلسل “مُنع في سوريا”، الذي قدّمه مع جهاد سقا وفريق “وتر” في ثلاثة أجزاء، صُوّر اثنان منها في حلب والثالث في تركيا، وتناولت لوحاته الحياة اليومية للسوريين، والعسكرة والفساد والحرب، في قالب من الكوميديا السوداء.

أما صانع المحتوى محمود نور، الذي شارك هو الآخر في تجارب فنية خلال سنوات الثورة، ومنها “مُنع في سوريا”، قبل أن يواصل تقديم المحتوى الكوميدي والتوعوي، فكتب أن ما يؤلمه ليس غياب الدعوة أو الدرع، وإنما شعوره بأن “ولاد الثورة يلي قدموا فن وجوا الحصار واستمروا، هدول تم تهميشن”.

ولا يبدو العتب الذي عبّر عنه الجبلي ويامن نور ومحمود نور مرتبطاً -في جوهره- بمناسبة واحدة، فمنذ سقوط نظام “الأسد”، يدور نقاش في أوساط فنية وإعلامية سورية حول موقع الفنانين وصنّاع المحتوى، الذين وقفوا مع الثورة أو عملوا في مناطق المعارضة، بالتوازي مع عودة شخصيات فنية سبق أن عبّرت عن مواقف مؤيدة للنظام السابق، قبل أن يغيّر بعضها خطابه بعد سقوطه.

وفي سياق هذا النقاش، اتسع تداول تعبير “التكويع” لوصف التحول السريع في المواقف، فيما أثار حضور بعض الفنانين وصنّاع المحتوى الذين عُرفوا سابقاً بمواقف مؤيدة للنظام في فعاليات فنية وثقافية بعد سقوطه، انتقادات وتساؤلات حول المعايير التي تحكم الحضور في المشهد العام.

وتتباين المواقف من هذه القضية بين مَن يطالب بالمحاسبة، أو على الأقل بحفظ الذاكرة وعدم تجاوز المواقف السابقة، ومَن يرى ضرورة الفصل بين تلك المواقف وبين الحق في العودة إلى العمل الفني.

لذلك، ربما كانت عبارة يامن نور الأقرب إلى تلخيص هذا العتب، حين قال إن “طريق العودة” ينبغي أن يشمل أيضاً أولئك الذين “مشوا الطريق من أوله”.

فالمسألة، بالنسبة إلى أصحاب هذه الانتقادات، أبعد من دعوة إلى دار الأوبرا وأوسع من درع تكريمي، إنّها سؤال عن الذاكرة الفنية للثورة، وعن أصحابها، وعن المعايير التي سترسم موقعهم في المشهد الثقافي والفني لـ سوريا الجديدة.

اشترك لمتابعة أحدث الحلقات

اشترك لتصلك أحدث المستجدات من راديو البلد